
"ابنة العامين" تعانق الحرية وتبكي شقيق الأسر
رام الله - فلسطين نيوز - تحملها بين ذراعيـها بكامل الحنان.. تطبـع على جبينها قبـلة دافئة.. تضعها في سـريرها الطفولي.. وفجـأة يـرتفع الصراخ وينهمـر البكاء.. وتـرفض "غادة" ابنة العاميـن النـوم في جو الحرية الذي لم تألفه بعد. في الصبـاح ينفتح الباب كاشفا عن حديقةٍ خضـراء تملؤها الأشجـار والورود فتقف "غادة" مصـدومـة وتتسمـر في مكـانها دونما حـراك.. ولا شيء سـوى الدمـوع. "غـادة جاسـر أبـو عمر" استيقظت الاثنين الماضي عـلى حيـاة جـديدة وأخذت عيـونها تكتشف مـا حولـها ببطء ودهشـة.. فـلأول مـرة تـصحـو على عالمٍ يخـلو من الجدران الضيـقة ورائـحة الحـديد وصـوت السجانين, والأرضيـة الرطبـة لزنزانة لا تـرى الشمس ولا الهـواء. الطفـلة الأسيـرة ودّعت السجن الأسبوع الماضي بصُحبـة والدتها "خـولة الزيتاوي" واستنشقت نسيـم الحُـرية مـع 197 أسيـرا آخـرين في خطوة قالت إسرائيـل إنها بادرة حُسن نيـة تجاه الرئيس الفلسطيني محمـود عبـاس. طفـلتي معـي.. أسيرة"خولة الزيتاوي" تقول بدا صـوتها كما الأطفـال: "شعـوري لا يُوصف.. فأنا أمام فرحين.. خروجي من زنازين المـوت.. ومعانقـة طفلتي للحـرية بعد أن عاشت تفاصيل الأسر والوجع معي لنحو عامين". تتنهـد "خولة" طـويلا وهي تـرجع بذاكرتها للوراء.. تحديدا إلى منتصف ليلة الخامس والعشرين من شهر يناير 2007: "كنت وقتـها قد أنهيت صـلاتي وبدأت في الدعاء لزوجي وللأسـرى بأن يُفرج الله كـربهم ويفك أسـرهم.. وفجـأة داهمت قوات الاحتلال منزلنا الواقـع في قرية جماعين قضاء نابلس شمال الضفـة الغربية المحتلة.. وبطريقة وحشيـة أخذوا يفتشـون المنـزل..". "أفزعوا طفلتيّ سلسبيل (عامان) وغادة (6 شهور).. حرموهما النوم والأمان.. وبعد احتجازي لساعات طـويلة وتخريب للبيت وأثاثه.. اقتادوني للأسـر.. بينما زوجي محكوما بـ4 سنوات في سجون الاحتلال، وذوونا جميعا يقطنون بالكويت.. وما من أحد ليعتني برضيعتي غادة". ومن مناشـدة إلى أخـرى نجحت الأم في إبقـاء طفلتها "غادة" معها في السجـن وبلهجة دامعـة تساءلت خولة: "هل هنـاك أم في العالم تتمنى لرضيعتها أن تمـوت؟! كنت بين خياريـن أحـلاهما مُـر، حيث رفضت غادة الحليب الاصطنـاعي، وتدهورت صحتها ونقلت إلى المُستشفى.. شعرت أني سأفقدها إن لم أتحرك وأناشد المؤسسات الحقوقيـة.. وبعد تقديم الالتماسات المتكررة للمحكمة الإسرائيلية صارت طفلتي معـي.. أسيرة". الأبواب المغلقـةوبعـد أن أصدر الاحتلال بحقـها حُكما بالسجـن لعاميـن ونصف بدأت رحـلة الأم وصغيـرتها داخل أروقـة العذاب. "كانت أياما قاسيـة عليـها.. كبرت أعواما في الأسر.. أولى خطـوات طفـولتها قضتـها بعيدا عن النـور واللعب.. حرمها الاحتلال من ممارسة طفولتها.. لكم أن تتخيـلوا مشهـد رضيـعة تنام في غرفـة متـرين في ثـلاثـة أمتار.. تُصادق الحشرات بأنواعها وأشكالها المختلفة.. تُمنع من الطعام والشـراب الجيّد.. لا تنعم بحمامٍ جميـل.. تخاف رؤيـة السجانين وأسلحتهم ومفاتيحهم الغليظة". وأمام مشـهد الحياة خارج الأسوار الذي بدّل حياتها من الألف للياء وصـفت الأم تشنج طفـلتها بـ"الطبيعي": "إنها حياة جـديدة.. لم تر يوماً درّاجـة.. أو شجـرة.. لم تُقابل كل هذا الكـم من الناس.. لم تتحرر من عقدة الأبواب المغلقـة بعـد". "خـولة" أكـدت أن أوضاع الأسيـرات داخل سجـون الاحتلال الإسرائيلي متردية للغايـة: "هن أحيـاء ولكـن في قبـور.. يعانين من إهمـال طبي ونوبات ألم شديدة.. الأمهات تشتـد أوجاعهن أكثـر لحرمانهن من أبنائهن". تُقلب الأم صفحـات وجعها داخل الأسر فتعترف أن أقسـى اللحـظات كانت عندما عوقبت طفـلتها غادة و"براء" ابن الأسيرة سمر صبيح: "من 1/5 وحتى 20/8 الجاري فرضوا علينا عقابا جماعيا فمنعونا من الخروج للاستراحة.. ورفضـوا استغاثاتنا بأن يخرج الطفلان.. وكان الجـو شديد الحـرارة.. فانتشر الطفح الجلدي بجسديهما الصغيرين وأصيبا بأمراض لم نعـرف عوارضها.. واشتدت خشيتنا عليهما". براء ..أنا "غـدو"وبينما "خولة" تتحدث لمراسلتنا على الهاتف إذا بصـوت طفلٍ يبكـي بشـدة.. سألناها عن سر الدمـوع فقالت وهـي تبتسم: "إنها غـادة.. سمعت اسم بـراء.. شقيقها في الأسر". ما قصـتها مـع براء؟ تجيب الأم: "وضعت الأسيرة سمر صبيح وهي مقيدة طفلها براء أثناء وجودنا في الأسر في أبريل 2006.. فاجتمع الطفلان.. وكان لقاؤهما رحمـة وهدية من السماء.. عاشا المحنـة معا.. نطقا الأحـرف الأولى معا.. مشيا ولعبا وربطا على قلوب الأسيرات بضحكاتهما الطفولية البريئة". ولمّا أطلق الاحتلال سـراح سمـر وطفلـها براء في ديسمبر 2007 شعـرت "غادة" بالحـزن الشـديد وانهمـرت الدمـوع من عيـون الأسيـرات لدرجـة أن خـولة امتشقت القلم وكتبت رسالة طـويلة عن فراق الصغيرين. ولكن القدر كان رفيقا بالطفلة الأسيرة كما تقول والدتها: "جاء وضع الأسيرة فاطمة الزق لطفلها يوسف بعد خروج براء ليؤنس وحدتها.. لكنها ما أحبت أحدا كما أحبت براء" . ولأنهـا ظنت مراسلتنا التي على الهاتف مع والدتها هي "براء" أصرّت غادة على أن تأخذ سماعة الهاتف.. وجاء صـوتها كقطع الحـلوى: "براء.. أنا غدو.. اشتئتلك كتيييير (اشتقت إليك).. وينك انتا (أين أنت).. براء". أخبـرتها بذات كلماتها الصغيـرة أن سـلامها سيصل لبـراء الساكن في مخيم جباليا بغـزة وأن غـدو (الاسم الذي يناديها به براء) تشـتاق إليـه. بعد أن ارتفع صـوت بكاء غادة استأذنتنا الأم بالمُغادرة وهي تتمنى الفـرج لكـل الأسيـرات وختمت بهمسٍ حـزين: "في السجـن يمـر اليـوم بألف عـام.. أين أحرار العالم؟! وإلى متـى هذا الصمـت؟!".
|